‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلة إلى العلا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلة إلى العلا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (42)

إنْ لم تكن تراه.. فهو يراك

تذكر أن الله يراقبك دوماً على ممر الحياة...
وعندما يستوطن هذا الشعور في قلبك ويترسخ في أعماقك ستحدث لك عدة تغيرات... ستلاحظ فجأة أنك لم تعد قادراً على القيام بعدة أمور لأنها ستبدو سخيفة مضحكة جداً مع مراقبة الله لك، كذلك فإن عدة أمور لم تكن تقوم بها سابقاً ستغدو أسهل وأبسط لأن الله يراك ويدعمك...

هذه تقنية علمية ليست مجرد معتقدات أو فلسفات... فيها ستُدرك بعد مرور سبعة أيام حدوث تبدلات دقيقة في حياتك: لقد أصبحتَ تمشي بطريقة مختلفة، فهناك أناقة ورشاقة في مشيتك أكثر من السابق، لأنك لم تعد وحيداً ولكن الواحد الأحد معك باستمرار...

تخيّل مثلاً أنك في الحمام، وفجأة اكتشفتَ أن طفلك الصغير ينظر إليك من ثقب الباب، ستتغير مباشرة ولن تعود الشخص نفسه مطلقاً..! أو تخيل أنك تسير في الشارع وحيداً في الصباح الباكر الهادئ، لا صوت إلا وقع خطاك على الأرض، وفجأة ظهر شخص ما أمامك عند زاوية الطريق، ستتغير فورياً...

عندما يقوم شخصٌ ما بمراقبتك ستصبح أكثر وعياً وتيقظاً، ولا يمكن أن تظل غير مبالٍ ونائم مثلما أنت الآن...
هذا الشعور بأن الله يراقبك سيغدو جزءاً لا يتجزأ من وجودك... وستتقد شرارة الوعي والصحوة في داخلك لتكتشف أسرار خلودك...

يمكنك أن تختبر ذلك: اجلس صامتاً وأغمض عينيك، واشعر بأن الله يراقبك من كل مكان، ولاحظ الأنواع الجديدة من الوعي التي تتولد فيك لتصبح شعلة نور تبدد ظلمات الغفلة والغفوة، فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك...
تذكّر ذلك دوماً، سواء عندما تأكل، تمشي، تقرأ، تكتب، تتحدث.. وسترى بأنك لم تعد تنطق بكلمات سخيفة سطحية، بل سيغدو حديثك أكثر عمقاً وبعداً وشاعرية.. ينساب كالموسيقى بكل رقة وعفوية...

وعندما تحب صديقاً ستجد أن حبّك قد أصبح صلاةً وابتهالاً، لأن الله يراك... سيصبح كل عمل تقوم به لوجه الله فحسب، وليس طلباً للثواب أو خوفاً من العقاب... ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل... كل عمل عبادة، وكل عمل صلاة... هذا هو السبيل وتلك هي الطريق، درب عبادة الخلق للخالق، فمن أول خطوة تكون الرحلة كلها... وكل خطوة تأخذنا إلى الجلوة والصحوة...

رحلة إلى العلا (41)

فَجِّـر طاقتك مع الفجـر

إن أشعة الشمس تنساب في أغصان شجرة الحياة لتبعث فيها الأزهار والثمار.. فالشمس مصدر للطاقة والحياة والأسرار...
عندما تكون الشمس مشرقة في أوج ذروتها، لن نتمكن من النظر إليها بسبب قوة أشعتها... لكن لنحاول اختيار اللحظة المناسبة في الصباح الباكر عندما تكون الشمس في بداية إشراقها، عندما تكون صغيرة لطيفة رقيقة، نستطيع أن ننظر إليها لعدة دقائق، وأن نتشرّب الطاقة منها رشفة رشفة، ونصغي لحكمتها... لتغمرنا بفيضٍ من أشعتها التي تدفئ النفوس وتنير القلوب...

وكذلك عند الغروب... يمكننا أن ننظر إليها مرة ثانية، وسنتمكن رويداً رويداً من إغماض أعيننا في أية لحظة ورؤية الشمس وتأملها داخلياً...
من الجيد دوماً أن نبدأ من الخارج، من الأشياء الجامدة الملموسة، ومن ثم ننتقل شيئاً فشيئاً إلى الداخل إلى الأفكار والأمور المحسوسة.. وعندما تصبح قادراً على رؤية الشمس بعينين مغمضتين فلن تحتاج لأن تتأملها خارجاً....
إن كل ما في الخارج يوجد في الداخل.. لأن العالم الخارجي ليس سوى انعكاساً ومرآة لما نختبره داخلياً... وفيكَ انطوى العالم الأكبر...

ستكون هذه الشمس الداخلية رمزاً ولغزاً يثير وينير روحك النائمة، وعندما تباشر شمس الحقيقة بعملها ستتغير حياتك كلها من تلقاء ذاتها...
ستذيب أشعتها ثلوجَ الأنا الصغيرة لتنساب محبتك بكل عذوبة مع نهر الحياة الذي سيحملها بلطف وحنان إلى محيط المحبة الأعظم... ستتولد فيك طاقة عظيمة لا تفنى، مهما واصلتَ الجهد والعمل لن يكون لها نهاية، كينبوع متدفق لا ينضب... وحالما تتصل وتتحد بهذا المنبع الخالد، ستصبح حياتك أكثر غنى وثراء، ولن تعرف الفقر والشقاء، لأن الثروة الحقيقية هي في الثورة الداخلية المتأججة في الأعماق... المُلك والملكوت في الداخل ولن يعنيك أي شيء في الخارج بعد الآن..

ستغدو كل الأمور متساوية بنظرك، النجاح والفشل، الفقر والغنى، الحزن والفرح... وهذا هو الميزان الذي يعطي الاستقرار للإنسان، أن نحيا الأضداد كلها بهدوء واطمئنان...

إننا نهتمّ وننهمّ بالعالم الخارجي فقط عندما لا نكون مدركين لأهمية ما لدينا بالداخل، لكن حالما ندرك ذلك سيتلاشى الخارج تماماً ويفقد أهميته، وما هو إلا أحلام وأوهام...

عندها قد تكون متسولاً في الخارج.. لكنك أمير مستنير في الداخل... ومن استغنى اغتنى...
قد تفشل في كل ما يتعلق بالمال والأعمال، وتنجح روحياً.. دون أي شكوى أو سؤال... ومباركون فقراء الروح المليئين بالجمال...
ستكون سعيداً بلا حدود بصرف النظر عن الظروف الخارجية... وهذه هي السعادة الحقيقية الجوهرية.... عندما تحظى بنسمة من نسائم الأبدية وتعيش الحياة الطبيعية بعفوية....

السبت، 17 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (40)

النّظــرة الطّــاهرة

رؤيتنا هي التي تحدّد وتصنع العالم من حولنا، فنحن لا نعيش في نفس العالم لأن طرق رؤيتنا له مختلفة... وهناك العديد والعديد من العوالم على قدر ما يوجد من ناس وأجناس، ومن هنا جاء التضارب والتعارض، النزاع والصراع.... في الحب، في الصداقة، في الحياة... لأنه لا يمكن لوِجهتي نظر أن تتّفقا.. إما أنْ تتداخلا وتتشابكا، أو تتصادما وتتعارضا... ويحاول كل منهما أن يؤثر في الآخر، ليُقنعه ويتحكم به...

حتى لدى الإنسان الواحد هناك نوعان من الرؤية، عينان أو ملاكان حارسان... خير وشر، حب وقهر... وهناك صراع كبير حول من سيربح، ومن سيبرهن أن وجهة نظره هي الأفضل والأصلح... لكنك عندما تدخل إلى أعماق ذاتك ستجد العين الثالثة حيث ستلتقي عيناك في نقطة عميقة دقيقة... هي البصيرة عين الحقيقة....
عيناك لا يمكن أن تلتقيان عندما تنظران خارجاً.. كلما نظرتَ بعيداً خارجك أصبحتا أبعد فأبعد، وكلما تمعّنتَ في داخلك أصبحتا أقرب فأقرب...

عندما تغمض عينيك فإنهما تصبحان عيناً واحدة هي العين الثالثة التي تهتم ببواطن الأشياء لا بظواهرها... وهذه العين المُبصرة هي التي تستطيع قراءة كتاب الحقيقة كما هو.... إنها تبصر دون أن تحتاج للنظر، دون أي أداة أو خريطة مثل النهر... وهذه هي البصيرة وهي أمرٌ آخر غير البصر...

هنا تتّحد ألوان قوس قزح السبعة من جديد بلون واحد هو الأبيض...
والبصيرة هي رؤية الماضي والمستقبل في الحاضر، في الآن، في هذه اللحظة... لأن قصة الشجرة مكتوبة بكاملها في البذرة...
قال رجل للحبيب: أمّرني يا رسول الله، اجعلني أميراً على البَصْرة...
فقال له: البصْرة تزول.. أجعلكُ أميراً على بصيرتك التي لا تزول.....

لكن الناس مهتمّون بامتلاك عيون ورموش جميلة بدل أن يهتموا بامتلاك رؤية جميلة...
رؤية الواحد الأحد في كل عدد، النور الخالد إلى الأبد والمدد...
وكُن جميلاً... ترى الوجود جميلا....
وهذا أمر مُمكن، لكننا لم نحاول أبداً الوصول إليه... لم ننظر أبداً لما هو كامن في الداخل، لم نُحوّل هذا الكامن إلى ساكن... إلى واقع حقيقي فعليّ كائن... فبقيت العين الثالثة بذرة كامنة غافية تنتظر الماء واليد الشافية...

ليس على الحقيقية حجاب ولا باب، فالشمس شارقة ساطعة... لكننا نحن لم نعد نُبصر...
لقد أعمى الجهل بصرنا وبصيرتنا، ولم نعد نرى أبعد من أنوفنا، ولا حلّ إلا بالتحوّل إلى الداخل، بالعودة إلى الصمت، إلى التأمل، والطرق كثيرة وعديدة... لقد خلقَ الخالق من طُرق بعدد ما خَلَقَ من خلْق...

التأمل هو المفتاح العجيب الذي يفتح لنا أبواب النور والتنوير، وعندها ستبدأ العين الثالثة بالنمو والانتاش... ثم تزهر كزهرة معطّرة مطهّرة لتتغيّر حياتك كلها...
لن تعودَ الشخص ذاته على الإطلاق... ستصبح مختلفاً، حياً، مشتعلاً، وسيتغير العالم من حولك في كل مكان... مع أن كل شيء لا يزال كما هو فيما مضى من الزمان، ولكن لا شيء أبداً سيبقى كما هو بالنسبة لك بعد الآن...
لقد وصلتَ إلى الرؤية الأحديّة الموحّدة بعين الوحدة الواحدة.... عين اليقين والعِرفان....

لكي تبدأ بالتأمل أغلق عينيك وابدأ بالنظر إلى الداخل في رحلتك الداخلية...
سيكون هذا أمراً صعباً في البداية، لأننا نسينا داخلنا وأهملناه ولكن عطشنا سيجعلنا نتلمّس الطريق رويداً رويداً...
لن تجد في البداية إلا الظلام الحالك، وهذا الأمر يشبه الدخول من مكان متوهج بنور الشمس الساطع إلى غرفة مظلمة... عندها لن ترى لعدة ثوانٍ، ثم تتعدّل رؤيتك شيئاً فشيئاً لتمتلئ الغرفة بالنور...

كذلك الأمر عندما تُبحر داخلياً... سيصبح كل شيء مظلماً عاتماً حتى زمنٍ معين، ولكن إذا ثابرتَ عليه والمثابرة ما هي إلا تأمل وتدبّر، وإذا صبَرتَ وواصلتَ البحث فإنك ستعثر يوماً ما على منبع طاقتك وحياتك ليضيء قلبك في عمق الظلام، وليعمّ نورٌ ساطع الألوان، ذو عظمة وجلال وإشراق لم يحلم به إنسان.....

إنْ لم تعرف الظلام فلن تعرف النور.... ولكن حالما تراه سيزهر قلبك وتتطهّر أعماقك.... ستطمئن ذاتك وتتفتّح مقاماتك كلها لارتشاف هذا النور السرمدي المضيء الأبعد من حياتك ومماتك......

الجمعة، 16 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (39)

التشخيــص

إن الفلسفة تعتمد على البحث والتفكير من أجل الوصول إلى الحقيقة.. ولكن هذا سيقودنا إلى المعرفة لا إلى الحقيقة، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى تفكير أو تفتيش بل إلى الرؤية والمشاهدة... فهي موجودة أصلاً.. ولكن أنا وأنت غير موجودين.. غير حاضرين.. ولن نجدها حتى ندخل إلى قلوبنا، ونتعرّف على أنفسنا أولاً... عندما ندخل إلى بيت الحق الداخلي سنرى الحقيقة، فالله يكلّمنا بالأشجار، بالفراشات، بالطيور، بالزهور، بالنمل، بالنحل.... وما علينا سوى أن نصغي ونبصر ونتأمل....

الحقيقة لا طريقة لها ولا خريطة، بل تظهر فجأة في لحظة تأمل، في لحظة كشف وتجلّي وخطف... فهي لغة سماوية لا تدرك ولا توصف، ما وراء الكلمات والأصوات، ما وراء الحياة والممات، تظل ساطعة متوهّجة مهما واجهها من عواصف وأعاصير.. الطبيعة عندها الحقيقة فهي موجودة في كل صخرة، وكل حجرة، في النهر والمنحدر، وفي قطرات المطر...

الحقيقة في الداخل، في بيت الحكمة والأسرار، ولا يمكن التحدث عنها، بل بالتجريب والاختبار، فهي توهج النور الخفي لوجودك ولكن عليك أن تكون حاضراً، أن تقبل نفسك كما أنت، إنسان كامل مقدس، خليفة الله، وأن تتوقف عن التفكير والجدل والنقاش، عن التصورات والتخيلات، لتنقل من المحسوس إلى غير المحسوس، من المحدود إلى غير المحدود، من البصر إلى البصيرة....
وعندها في هذا الفراغ المطلق سينبعث من داخلك النور مشعاً مشرقاً.. ليملأ كيانك كله.. ويمتد للخارج....

فإذا كان هناك نور في الروح والوجدان سيكون هناك جمال في الإنسان...
وإذا كان هناك جمال في الإنسان سيكون هناك تناغم في البيت والبنيان...
وإذا كان هناك تناغم في البيت سيكون هناك نظام في الأمة والبُلدان...
وإذا كان هناك نظام في الأمة سيكون هناك سلام في العالم والأكوان...

الخميس، 15 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (38)

رقصة القمر

ارقص وغنّي عندما يكون القمر بدراً بكامل بهائه ولمعانه.. وسيكون هذا واحداً من أعظم طرق التأمل، فالعديد من الناس استناروا في مثل هذه الليلة....
ارقص ببساطة متناغماً مع أناشيد القمر، متمايلاً مع أنواره دون أي هدف أو غاية...
وستكتشف جوهرك من شخصيتك... فالقمر سيسحبه ويظهره من القاع إلى السطح...

استمتع بالقمر وهو يتلألأ في السماء، دعه يمطرك بنوره الفضي اللامع الذي يأسر النفوس ويسحر القلوب... تأمله وهو ينساب بأعماقك ويتغلغل فيها عذباً، لطيفاً، رقيقاً، لينسج في قلبك أجمل معزوفة وأروع ألحان..
وستصبح رويداً رويداً في حال الرقص، وعندها ستكون سريع التأثر، حساساً، منفتحاً، لتغدو ثملاً تماماً بهذا الرقص، فيختفي الراقص ولا يبقى إلا الرقص والحب فحسب..

رقصة الصحوة في قلبك، رقصة النهر الذي يرمي نفسه بحب وهيام في أحضان المحيط الأبدي اللامحدود، لتذوب الأنا الصغيرة وتموت في الأنا الكبيرة..
وستصبح كل ليلة بدر منارة... تضيء ليالي الجهل بالاستنارة...

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (37)

تذكّر مَن فيك وهذا يكفيك

ليرجع كلٌّ منّا إلى ذاته، وليكن شاهداً وهو يقرأ، يكتب، يرسم، يأكل، يتكلم، يسمع، يرى، يمشي، يزرع......
مَن الذي يقوم بكل هذا؟؟؟
مَن ذا الذي يُغيّر معالم وجهي، ونبرة صوتي، وإشارات يدي؟ هل هو الجسد فحسب؟ أم أنه أمرٌ آخر ما وراء حدود الجسم والعقل والعلم...؟

تعرَّف على هذا السر الأبدي الأزلي المُقيم في قلبك... إنه روح الله التي تُشِعّ من خلالك، روح الرحمة التي تسَعْ كل شيء..
الجسد ما هو إلا وسيلة، وأنت الروح الساجدة في هذا المسجد، أنت كلمة الله وكتابه المُبين، أنت الناي وهو معزوفة الأبد والمدد، يا واحد يا أحد..
أنت الشمعة وهو النور الساطع دوماً.. هذا هو السر المرئي المخفي، الظاهر الباطن، الأبعد من حدود الحروف والمفردات، الأبعد من حدود الساعات والمسافات..
ولو قدّرنا أهمية ما لدينا..... لما نسينا أو تناسَينا.....

الأحد، 11 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (36)

طفولة لا تنتهي

الوجود كله يرقص ويسبح بحركة متناغمة متوازنة... الطيور تغرّد، الأنهار تتدفق، الشمس تسطع والنجوم تلمع… كل شيء يتحرك بانسجام دون ضياع، باستسلام وتسليم ويلعب دوره في هذه الحياة، ما عدا الإنسان الذي سقط ضحية الفكر والجهل… وما علينا سوى أن نعود إلى ذاتنا ونتوحّد معها، أن نغوصَ في أعماقنا لنكتشف الطفل البريء الصغير الموجود في قلب كل واحد منا… وما لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوتَ الله....

الطفل يعرف بالفطرة كيف يسبح في أعماق البحار والحياة، لكننا نحن من نُفسده بالأفكار والعقد والسخافات... إنه يحتاج للحماية والرعاية، لكن سيستغني عنها عاجلاً أم آجلاً.. ومع هذا فإن هذه الحماية تتواصل لتحاصره من كل الجهات والممرات، فتصبح راسخةً في بُنيته مما يؤدي إلى تضارب وتعارض بين البنية والوعي… عندها سيكون لدينا احتمالان فقط:

* إما أن نظل سجناء حتى الممات في قفص الأوهام والخرافات، لا نسمح للوعي أن ينمو ويكبر، فنكون مطمئنين مرتاحين ولكنها راحة واستراحة الموت لا غير، أموات بانتظار يوم الدفن…
* أو أن نخترق هذه البنية دون أن نحترق، وهذا أمر سهل إذا تم بحب وتعاطف وامتنان لهذه البنية لأنها ساعدتنا ومنحتنا الحماية حتى الآن...

لنكن أكثر بساطةً وبراءةً ونقاء، وأقل تفكيراً وخوفاً وغضباً لأن هذه الأمور ما هي إلا حواجز بيننا وبين الحياة، فإنْ لم نعد كالأطفال لن ندخل الجنة وملكوت الأرض والسماء...
لنعد للوراء بذكرياتنا إلى الطفولة.. إلى الجذور.. لأن الأشياء لا تتغير إلا إذا عرفنا الأسباب.. الفهم والاستيعاب سيعطيك الجواب... ويمكنك استخدام هذين المفتاحين لتفتح الباب:

1- اجلس في سريرك كل ليلة، وأطفئ الأنوار.. وعُد طفلاً صغيراً جداً، ارجع بذاكرتك إلى أيام الطفولة والعفوية، إلى أقدم مرحلة تستطيع تذكّرها، لعمر ثلاث سنوات...
الظلام يلتف من حولك، وأنت لوحدك، ابدأ بالبكاء والتمايل والتحدث بكلام مُبهم... كلمات تافهة سخيفة.. مجرد لغو... دون أن توجّه ذلك لأي أحد على الإطلاق...
لا تحاول أن تفهم معنى ما تقول، وإلا فإنك ستبدأ بالانتقاد والاستهجان... اترك كل شيء يحدث كما هو: تمايل، ابكِ، اضحك، اصرخ، كن مجنوناً.. استمتع بذلك لمجرد اللهو والمزاح فحسب لمدة ربع ساعة...
سوف تتفاجأ لأن عدة أصوات ستظهر ويتردد صداها... وستتوغل فيها عميقاً عميقاً لتصبح بحال تأملي انفعالي عظيم، بحال الوصل لا الفصل، وهذا الزاد خير من كل زاد ورجاء..
بعدها اخلد للنوم حاملاً معك بساطة وبراءة طفل صغير لا جدرانَ تُحيط بقلبه أو روحه.. بكل حرية دون هم أو غم، لينبض قلبك بالحب والأمان والأمن... ولتتفتح زنابقه البيضاء ناشرةً عبير المحبة في كل الأرجاء، مطهرةً إياك من كل الأوهام والرّياء.. سيكون نومك هانئاً عميقاً مريحاً، بلا كوابيس أو إزعاجات.. وستنهض صباحاً حراً طليقاً، دون حواجز أو قيود كالأطفال كالأنسام المتهادية التي تجوب الآفاق من سماء إلى سماء......

2- كلما أُتيحت لك الفرصة نهاراً عِش طفولتك من جديد... إذا كنتَ على الشاطئ، فاركض والعب مثل طفل صغير، اجمع الأصداف والحصى الملونة.. والعب بالرمال الذهبية...
وإذا كنت في الحدائق والرياض، فالْحقْ الفراشات الزاهية الألوان، وتمتع بجمال الزهور وأريج العطور، انسَ عمرك، والعب مع العصافير والحيوانات.. اركض في المروج والوديان بسرور وحُبور لا يُحدّ ولا يوصف.. اختلط مع الأطفال وشاركهم اللهو والفرح.. ولا تبقَ واقفاً جامداً بلا حراك، بلا حياة، فالجمود موت وانتهاء...

تمدّد على العشب الأخضر، على هذا البساط السندسي الرائع، وانعم بأشعة الشمس التي تنعش النفس.. كن عارياً إذا أمكنك ذلك لتكون كالأطفال مرة أخرى...
وفي البيت قِف أمام المرآة في الحمام، قطّب وجهك وقم بحركات ساخرة مضحكة كما يحلو للصغار أن يفعلوا، اجلس في حوض الاستحمام، العب بالماء ورُشّه عالياً، والهو بألعابك، بالبطات والأرانب والسلاحف! وهكذا تتصل وتتواصل مع طفولتك من جديد...
الطفل الصغير الكامن في أعماقك حاضرٌ للتفتح والانطلاق، ولكن عليك أن تسمح له بذلك..
الحياة لعبة العبها بفرح ومرح وشكر، وابتهج بالأشياء الصغيرة البسيطة، فهذه هي الحقيقة والطبيعة بدون أي شريعة... لنعبُر هذا الممر إلى المقرّ... من الديار إلى الدار ببراءة الصغار، وحماسة الشباب، وحكمة الكبار...

رحلة إلى العلا (35)

اختبر الألوهية

كلنا أعضاء في هذه العائلة الكونية الواحدة الموحّدة... لسنا عدداً ولا سِلعاً في دولة أو طائفة أو سوق.... بل أفراد كونيّون مميّزون... نحن خليفة الله خالق الكون...
فلنتذكّر الساكن فينا، ولنكن بحضرة الحقيقة التي تشفينا وتكفينا، حاضرين للحضرة والصحوة، في استسلام كامل للواحد الواجد...
عِشْ هذه الألوهية التي فيك، فأنت كتاب الله المُبين... اجلسْ، امشِ، تكلّم، تصرّف، كما لو كنتَ إلهاً، فأنت من روح الله، وكذلك هم الآخرون.... الله ليس بعيداً في الخارج بل في داخلك أقرب إليك من حبل الوريد.. في قلبك وفؤادك ووجدانك.. أنت فيه.. وهو فيك.. إنه موجود في كل الوجود في كل شيء.. في الحجر والشجر والبشر.. في الرمل والغيم والمطر...
تأمّل هذه الأزهار والرياح والجبال، إنهم مثلك يتجلّى فيهم النور الإلهي الصافي الأزلي... نور على نور... من الله وإلى الله وفي الله... عندما تعيش هذا الإحساس وتختبره عميقاً في كل حركة من حركاتك، في كل نفَس من أنفاسك ونبضة من نبضاتك، سترى أنك أصبحت تُحبّ، تتحدّث، وتتصل مع الآخرين بشكل مختلف.... فانطلق من نفسك أولاً حتى يتغير العالم من حولك.. فهذا هو ميدانك الأول والأخير لتصبح شمعة مستنيرة تُنير لتوقظ الضمير وتُنقذ المصير....

السبت، 10 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (34)

بين الشهيق والزفير

هناك موت في كل لحظة، وهناك نَمَوت في كل يقظة، ولنا الاختيار والاختبار... فبين كل نَفَس ونفس هناك صمت وموت، وولادة جديدة من الملكوت... فلا يوجد نَفَس مثل الثاني.. لنراقب تنفسنا، ولنكن شهداءً عليه...

اجلس على وسادة، وظهرك مستقيم، وابدأ بالتحرك والاهتزاز بدوائر صغيرة أصغر فأصغر كالطواف، حتى تصبح بالوضع الأكثر استقامة وتوازناً عندها توقف عن الاهتزاز، وارفع ذقنك قليلاً لتصبح أذناك باستقامة كتفيك.... عندها أغمض عينيك، وراقب تنفسك: راقب الشهيق أولاً، اشعر به يدخل من الأنف، وينساب للأسفل ليصل إلى القاع، عندما يوشك الشهيق على الانتهاء سيكون هناك فاصل صغير قصير، ولكن له أهمية وقيمة عظيمة.... ومن ثم سيبدأ الزفير، امضِ الآن مع الزفير اصعد معه الطريق كله لتبلغ القمة.. ستأتي اللحظة نفسها من جديد، ولكن من الطرف الآخر، سيتشكل فاصل صغير بين نهاية الزفير وبداية الشهيق.. راقب هذا الفاصل وتمعّن فيه لتصير واصل... فهنا الجلوة والصحوة...
تنفس بشكل طبيعي عادي.. وراقب الأنفاس الإلهية القادمة الذاهبة، لمدة دقيقة أو دقيقتين.. ثم ابدأ بالعد...
عُدّ الشهيق فقط، ولا تعدّ الزفير، وليكن العدّ تصاعدياً من الواحد وحتى العشرة.. ثم عدّ من جديد من الواحد للعشرة...
إذا نسيتَ مراقبة التنفس، عد له ثانية، وإذا نسيت العدّ، أو استمريت به إلى ما بعد العشرة، أحد عشر – اثنا عشر.. ارجع عندها للعدّ من الواحد مرة أخرى..
ولتتذكر دوماً هذين الأمرين:
1- المراقبة: وخصوصاً مراقبة الفاصلين بين الشهيق والزفير، وبين الزفير والشهيق، بين ولادة النفس وموته...
2- مواصلة العدّ: ولكن ليس لأبعد من العشرة، ومن ثم نرجع للواحد من جديد، شرط أن نعدّ الشهيق فحسب...

يمكننا القيام بهذا التمرين لمدة نصف ساعة يومياً، وإذا استمتعنا به يمكننا مواصلته...
إن هذا التأمل ينمّي وعينا.. ويغذّي إدراكنا.. لأننا إذا لم نكن متيقظين تماماً.. سنقوم بعدّ الزفير، أو سنواصل العدّ إلى ما بعد العشرة...
كما أن هذه التجربة ستساعدك في اكتشاف ذاتك، وجوهرك وسر قلبك...
لتغدو شيئاً فشيئاً الشاهد على جسدك، ونفْسك وتنفّسك...
وعندما تغيب الأفكار وتتلاشى الأشياء والأحلام والأوهام...
تبوح الذات للذات بأسرار الوجدان دون كلام...

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (33)

اكتشف صوتك وصمتك

في قلب كل إنسان أنغام وألحان... أغنيات صافية شافية يتردد صداها في أعماق الكون بسكون... متناغمة مع موسيقى الغيوم والمروج... مع معزوفة الطير والشجر والمطر.. .. وكلما توغّلتَ أكثر فأكثر في أعماق نفسك، ستجد عالماً جديداً من الصوت والسكوت... حتى تصل إلى جوهرك ومركز وجودك.. عندها ستجد السكينة الساكنة في كل قلب...
لكننا مشغولون بالاستماع إلى ضجيج الخارج وإزعاجاته البليّة بدل الإصغاء لموسيقانا الداخلية...
لماذا الهروب؟...
لنعش الحقيقة بلا خوف أو وجل، فلم يعد لدينا أي شيء لنخسره.. لم يعد لدينا إلا الصمت... فليكن هذا الصمت الإيجابي المفعم بعطور الزهور وأريج الورود..
هذا الصوت الصامت في داخلنا يشبه البركان الذي يوشك على الانفجار... وإذا لم ينفجر فلن نبصر النور ولا السرور... علينا أن نساعده في ذلك فهو بحاجة لأن يولد، علينا أن نستسلم له استسلاماً كلياً دون قيد أو حد....
وما لم نشترك فيه ونشارك لن يبدأ بالعمل.... لا يكفي أن نصغي إليه وننصت له فحسب، بل يجب ويحب أن يصبح صوتاً نشيطاً فعالاً، مؤثراًَ، نابضاً بالحياة...
لذلك استيقظ باكراً قبل شروق الشمس، وابدأ بالدندنة والترنيم.... غنّي، اندب، تأوّه، اصرخ...
اشعر بترددات ذلك الصوت وذبذباته... ادخل فيه، واشترك معه، وانهمك به كلياً...
لا تكن جباناً خجولاً، ولا تحاول كبت هذا الصوت... دعه يمتلكك تماماً ويستولي عليك.. واستمتع بذلك ولتكن هذه الأصوات عفوية تلقائية، خالية من المعنى والمغزى، صادرة من أعماقك، من ينبوعك الداخلي...
تناغم مع هذه الألحان والأنغام، تمايل وارقص معها، وليكن ذلك تحية حب وشكر وامتنان للشمس، على كرمها وعطائها... وتوقّف عندما تشرق الشمس..

سيولّد هذا في داخلك إيقاعاً متناغماً متواصلاً طوال اليوم.... ستشعر أنه يوم مميز مبارك، ستكون أكثر محبةً ورحمةً وودّاً.. وأقل عنفاً وغضباً وأنانيةً...
المهم ألا تكبت أي شيء.. دع الصوت يمتلكك ويأخذك معه بعيداً لتصبح أسيراً لموسيقاه التي لانهاية لها ولا بداية.. الصوت خالد لا يموت...
كن كقصبة ناي فارغة لتعزف فيك ألحان الوجود والخلود...

الخميس، 8 أكتوبر 2009

رحلة إلى العلا (32)


هل أنا هنا؟؟؟


اعتاد الشيخ فريد أن يسأل نفسه كل صباح لكي يرتاح:
"فريد؛ ألا تزال هنا؟؟".... وكان تلاميذه يقولون له:
"إذا سمعك الغرباء، سيظنون أنك مجنون!! لماذا تقول هذا؟"...
فيجيب: "لأنني أنسى كل شيء في الليل... فكري صامت خالٍ من الأحلام والأفكار... وعندما استيقظ عليّ أن أنبّه نفسي وأذكّرها من جديد بأن فريد في هذه اللحظة حاضر وواعي، ولمن سأتوجه بسؤالي عن حالي؟ أستطيع أن أسأل نفسي فحسب: فريد؛ ألا تزال هنا؟"
وكان هو ذاته يجيب: نعم يا سيدي!

لنحترم أنفسنا بعمق وصدق، فهذا أفصل من أن نردد أي اسم آخر...
اسأل نفسك، ونادي باسمك: ” يا فلان... ألا تزال هنا؟"
لا تقلق إذا سمعك أحد ما، وقل: "نعم يا سيدي!"..
اشعر بذلك وتعمّق فيه... لا تفكر به بل اغرق في بحر معانيه... دعه يتغلغل بعمق داخل مساماتك وخلايا جسمك، وأبحر معه بعيداً، وراء حدود الكلمات والسدود... لتشعر بوجودك متوحداً مع كل الوجود...
إذا واصلتَ القيام بهذا ستتفاجأ بالصمت العظيم العميق الذي سيلحق سؤالك وجوابك...
إنه صمت الخشوع والحضور مع النور، لا صمت الخضوع والهروب من القبور إلى القصور.... وضمن هذا الصمت الخالد الساحر ستتذكر ذاتك وتحترمها... ستشكر الله لأنه منحك يوماً آخر.. ولأنك ستكون قادراً على الاستمتاع بتفتح الزهور، وزقزقة الطيور، مرة أخرى مع بزوغ شعاع النور....
لا أحد يستحق كل هذا الخير والعطاء، ولكن نهر الحياة يواصل جريانه بسخاء، منساباً في عروقك مع كل قطرة دم وماء، فما أكرم الحياة وما أقل شكرنا وامتناننا للأرض والسماء....

رحلة إلى العلا (31)

إجعل للفرح مكاناً داخلك

من السهل أن تتعرف على نفسك.. كل ما عليك هو أن تستيقظ من نومك وتنفض عنك غبار الأحلام.. وتعود إلى ذاتك ماسحاً كل الأوهام...
لا داعي لأن تتعلم أشياء إضافية... بل عليك أن تمسح ما تعلّمتَه عن بعض الأمور فحسب:
1- لا تبقى منشغلاً بالأشياء...
2- لا تنهمّ وتهتم بالأفكار...
3- كن شاهداً على كل شيء.. وهذا الأمر سيحدث من تلقاء نفسه.
في البداية ابدأ بمراقبة الأشياء الجامدة.. اجلس صامتاً، وانظر إلى إحدى الأشجار.. كُن متيّقظاً واعياً فحسب، لا تفكر بأمر الشجرة أبداً.. ولا تسأل أي نوع من الأشجار هي... ولا كم هي جميلة أو طويلة... لا تهتم لكونها خضراء زاهية... أو يابسة ذابلة... لا تنسج أفكاراً من حولها... بل امضِ في مراقبتها والتمعّن فيها فحسب...
يمكنك أن تراقب أي شيء.. نجمة، زهرة، أو صورة ما... ولكن تذكر أمراً واحداً: عندما تأتيك الأفكار ارمِها بعيداً، وتابع النظر لذلك الشيء من جديد.. سيكون ذلك صعباً في البداية، لكن بعد فترة ستتشكل فواصل خالية من الأفكار... الشجرة هنا، وأنت هنا، والمدى بينكما.. وهذا المدى خالي من الأفكار وضجيجها...
فجأة سيشعّ في داخلك ابتهاج كبير، دون سبب على الإطلاق.. وهكذا تكون قد تعلّمت السر الأول.. والآن يجب أن يُستعمل بطريقة أرق وأرفق...
الفرح كان موجوداً مسبقاً، ولكنه كان مختفياً وراء غيوم الأفكار والمحاكمات... لأننا غالباً نركب رؤوسنا، ونمضي في طريق الأفكار لنتلقى الضربة تلو الضربة، ونتعثر العثرة بعد العثرة... ولكن عندما تزول غيوم الأفكار والأوهام المريضة، ستسطع شمس الفرح والسعادة مطهّرة لنا من كل الأحزان...
لنبدأ أولاً بمراقبة الأشياء فهي مرئية وملموسة... ثم عندما ننسجم ونتناغم ونُحِسُّ باللحظات التي تختفي فيها الأفكار ولا تبقى إلا الأشياء، عندها يمكننا القيام بالأمر الثاني:

أغمض عينيك، وراقب أية فكرة تأتي إليك، لكن دون أن تفكر بها، أو تغرق في بحرها... ستظهر بعض الوجوه في مخيّلتك، أو بعض الغيوم، أو بعض الرسوم والصور، انظر إليها فحسب، دون تفكير أو تفسير...
سيكون هذا الأمر أكثر صعوبة من الأول لأن الأشياء محسوسة ومألوفة أكثر، أما الأفكار فهي أخف وأرهف... لكن إذا حدث الأمر الأول، سيحدث الثاني... إنها مسألة وقت وصبر ليس إلا.. واصل مراقبة تلك الفكرة وستختفي يوماً ما، ولن يعود لها وجود، لتبقى وحدك مع الوجود والموجود..
قد يحدث هذا الأمر بعد بضعة أيام، أو أسابيع، أو شهور، أو قد يستغرق عدة سنوات..
يعتمد ذلك على مدى تصميمك وتركيزك وإخلاصك عند القيام به... ببراءة طفل وشوق عاشق وتوق باحث صادق... وعندها ستشعر بابتهاج عظيم يهتزّ له القلب ويطرب له الفؤاد أكبر بألف مرة من الابتهاج الأول!...
هذه هي الخطوة الثانية.. وعندما تحدث يمكنك القيام بالثالثة وهي: مراقبة المراقب...
سيكون هذا أمراً صعباً من جديد، لأننا نعرف كيف نراقب شيئاً ما، أو فكرة ما فحسب... حتى الفكرة هي أمر تستطيع أن تراقبه، ولكن الآن لم يعد يوجد أي شيء...
إنه الفراغ المطلق والصفاء التام... الأشياء قد تلاشت، وكذلك الأفكار... أنت وحدك فقط، وعليك أن تكون واعياً، متيقظاً، مراقباً للمراقب، وشاهداً على الشاهد...
لهذا عُد إلى نفْسك، وراقب نفْسك لتعرف نفسك، فأنت الشاهد لا المشهد... وكلما غصتَ أعمق فأعمق داخل ذاتك، سما قلبك أعلى فأعلى في سماوات أسمى وأحلى...

استمتع بهذه الوحدة... هنا السر الأكبر.... وحتماً ستأتي اللحظة التي تلامس فيها روحَك الحرة الطليقة، وعندها ستعرف وللمرة الأولى معنى الفرح الحقيقي...
إنه بلَون الأرض، بلون السماء... بلون الماء ولون الهواء... يَسَعُ الأكوان كلها، والموسيقى كلها...
هذا الفرح ليس أمراً عارضاً يصيبك، ولهذا فمن غير الممكن أن يُؤخذ أو يُسلب منك... إنه ذاتك الحقيقية، ولا مجال الآن لفقدانه أو خسرانه.. فرحٌ خالد يستمر على مدار الأيام والأعوام...
ما عليك إلا أن تمسح تعلّقك بالأشياء، وبالأفكار... وأن تصبح شاهداً على الأشياء الملموسة، فالأشياء الأدق، ثم على ما أبعد من كليهما… وستصل لمنزلك ووطنك مُكلّلاً بالغار، متصلاً بالعوالم الأبعد من أي دار وديار....

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

رحلة إلى العلا (30)

النور الداخلي

الجنين في رحم أمه لا يعيش في الظلمة... إنه يعيش في النعمة المنيرة بنوره الداخلي... ولكنه حالما يولد ويفتح عينيه يرى الشمس والسماء... الناس والأضواء... يتغير ببطء وينسى أن ينظر إلى أعماقه ويغوص فيها... فيصبح مهتماً بالعالم الخارجي فقط معتقداً أنه كل الوجود والحدود..
في التأمل نعود من جديد إلى داخلنا في الرحلة الداخلية، في الحج إلى بيت السلام، بيت النور المعمور.. علينا أن نتجاهل أمر العالم تماماً، ونكون ذاتنا فحسب.. أن نغوص ونتناغم مع هذا النور الداخلي.. وكأنّ العالم كله قد اختفى ولم يعد له وجود.. وزالت من أيدينا وأرجلنا جميع القيود... بهذا سيحيا الاختبار القديم وينتعش مرة أخرى ليصلنا بالواحد المعبود..
عندما تتعرّف على النور الداخلي هذه المرة ستجده رائعاً ساحراً... لأنك سبق ورأيتَ العالم بكل أشكاله وألوانه.. وسمعتَ كل أنغامه وألحانه... لكنك الآن ترى الصفاء النوراني.. تسمع السكون الداخلي والصمت الروحاني...
وسيكون هذا مفيداً جداً، مجدداً للحيوية والطاقة بشكل كبير..
يمكنك التأمل كل يوم.. متى وجدتَ الوقت لذلك... عندما يسهل عليك نسيان العالم، إما في ساعة متأخرة من الليل.. عندما تتوقف حركة المرور ويذهب الناس للنوم.. ويتوارى العالم كله من تلقاء نفسه.. أو في الصباح الباكر عندما تكون الناس غارقة في نوم عميق..
وحالما تبدأ برؤية النور الداخلي ستتمكن من رؤيته في كل زمان ومكان.. في الليل والنهار.. في العمل وفي الدار.. في ساحة السوق، في المكتب، حتى على ظهر الحمار... يمكننا أن نغمض أعيننا ونراه... وبمجرد أن نراه ولو للحظة واحدة سيمنحنا ذلك استرخاءً هائلاً وصفاءً رائعاً.. وسيكون مصباحاً ينير أيامنا المظلمة..
اجلس ساعة كل يوم، متأملاً.. متمعّناً في داخلك.. صامتاً.. شاهداً.. مراقباً... منتظراً انفجار شرارة النور والأسرار...
سيسطع نورك ذات يوم من تلقاء نفسه.. دون أن تحتاج لخلقه أو ابتكاره باستعمال الحديد.. كل ما عليك هو أن تكتشفه من جديد...
إن هذا النور الذي ينساب في أعماقنا ليل نهار، هو ذاته الذي ينساب في الكون كله بإيقاع منسجم متناغم.. نور الله الساطع المتعاظم... وليس علينا إلا أن نتأمل.. لتُفتح لنا أبواب نور الوجود والاستنارة والخلود..
النور موجود في قلبك العابد... إذا لم تجده هناك فلن تجده في أيٍّ من المعابد...

رحلة إلى العلا (29)

التشخيـص

اعتاد الممثّلون على المسرح اليوناني القديم ارتداء الأقنعة لكي يصدروا الأصوات من ورائها دون أن يظهروا حقيقتهم أمام الجمهور... وهذه هي الشخصية الوهمية.. الرسمية والشكلية...
الشخصية أمر زائف خادع... مجرد قناع غير قانع... يمكنك ارتداء قناع جميل أو بشع... شخصية وغد إبليس أو ملاك قديس.. ولن يكون هناك أي فرق لأن الشيء الحقيقي هو جوهرك وروحك المختبئة تحت قشورك...
فلتنزع القناع ولتلعب دورك على مسرح الحياة أيها الإنسان... فالرحلة هي من هذه الشخصية... من هذه الكذبة... لتعود إنساناً... خليفة لله والحق.. لا خليفة للدولار والنفاق...
إن الشخصية جزء ضروري من نمو الوعي... إنه كإمساك سمكة في البحر ورميها على الشاطئ... فتسبح عائدةً إليه... لقد عرفت الآن معنى البحر... العيش داخله ووسط أمواجه... هذا البحر الذي يشكل حياتها كلها... لكنها كانت غافلة عنه تماماً...
حتى تدرك شيئاً يجب أن تفقده أولاً.. مثلما فقد آدم الجنة... بعدها أحسّ بقيمتها وأخذ يسعى إليها من جديد...

الغيمة لن تجد ذاتها ما لم تفقدها... وأنت إذا لم تفنى وتتلاشى كالغيمة، فلن تجد بئر ذاتك العميق الذي منه أتيتَ وإليه تعود...
الإنسان في المجتمعات البدائية يملك الجمال، البساطة، والعفوية مثل الأطفال... ولكنه غير واعٍ لما هو عليه... إنه يعيش في غفوة وغفلة عن النعمة... عليه أن يفقد جوهره الحقيقي... أن يصبح مثقفاً... متعلماً... ويقع في علبة دين معين... وفجأة سيشعر وسط المحن والآلام بافتقاد تلك الجوهرة الداخلية وبالحنين إليها.. سينتابه عطش شديد إلى الحقيقة... وعطشه هذا سيقوده إلى الينبوع النابع من الأعماق... لينتقل بذلك من الخلوة والفضوة إلى الجلوة...

كلما ازداد تحضّر البلد وتمدّنه... ازداد الإحساس بالفراغ الداخلي والانهيار الروحي... أما عند العرب قديماً والبدو في البادية والناس البسطاء فلا وجود لذلك...
من النادر جداً أن ينتحر فلاح بسيط أو يصاب بالجنون.. لكنها ظواهر شائعة جداً في الغرب... فالنفوذ الواسع لـ"الحضارة" جعل المفكرين أسيرين ضمن جدرانه... لهذا فإن الانتحار يبدو لهم كشكل من أشكال التحرر والانطلاق.. وإن لم يُقدموا عليه فليس أمامهم سوى الجنون كوسيلة للهروب من الواقع الفارغ التالف..
على الأقل عندما يصبح المرء مجنوناً فإنه سينسى حالة انعدام المشاعر والأحاسيس التي تسمى بالمَدَنيّة... ولكن حينما يشعر الإنسان بأن حياته فارغة تماماً عليه أن يكون على مفترق طرق، كالقابض على الجمر.. وأن يختار بين أمرين.. النار أو النور.. الانتحار أو الاختبار... درب الهلاك أو درب الخلاص... وعليه أن يقرر...

الشخصيات أقنعة خادعة ولامعة.. ولكن داخلها يوجد العطر.. عطر الضمير الكوني في الكائن الكوني.. وهو الوحيد الحقيقي الأبدي.. نحمله معنا منذ ولادتنا حتى مماتنا...
سُئل يسوع: هل تعرف شيئاً عن إبراهيم؟ فأجاب: "أنا الألفا والأوميغا، أنا قبل إبراهيم وبعده، وأنتم مثلي وأكثر..."
قد يبدو لنا هذا تصريحاً مُخالفاً للعقل.. لكنه دلالة هامة... فهناك هوّة كبيرة بين إبراهيم ويسوع... فإبراهيم سبق يسوع بثلاثة آلاف عام تقريباًً.. ويسوع يقول: "أنا قبل إبراهيم وبعده".. لكنه يقصد بقوله هذه الروح الخالدة.. إنه لا يتحدث عن يسوع.. لكن عن المسيح الكوني... يتحدث عن الأبدية.. عن الكونية.. ولا يقصد أي شخص أبداً...

إذا لم تعرف وجهك الحقيقي الأقدم من الزمان، والأوسع من المكان.. من قبل أن يولد أبوك وأمك، والذي سيبقى بعد أن تموت وتهلك.. فلن تصل أبداً.. هذا ما يقوله الحكماء... ولكن ما هو هذا الشيء الحقيقي الموجود دوماً من الأبد وإلى الأزل...؟
يمكننا أن ندعوه عطراً... روحاً.. ضميراً.. إنه سر من أسرار الواحد الأحد.. أبعد من حدود الاسم والجسم والفكر... أنت أتيتَ كعطر، وإذا غادرت كعطر أيضاً دون أن يحدّك المجتمع بشخصية ما فإنك ستبقى بريئاً كالأطفال والحيوانات.. وهذا ما حدث ويحدث...
تذكرت هذه القصة...
في سالف الزمان وُجد طفل صغير في الحادية عشرة من عمره بمكان ما قرب الهمالايا.. نشأ هذا الصغير بين الذئاب... أصبح طفلاً ذئباً.. يبدو أن الذئاب قادرة على تربية الأطفال ولديها الحب والحنان... والأطفال أبرياء... أنقياء... أرواح طاهرة صافية... لم يعرف الزيف والكذب طريقاً إليهم بعد.. هم مثل السمك في المحيط، لا يعرفون من هم ولا يهم هذا الهمّ.. لا يمكن منحهم شخصية إنسانية بعد أن ربّتهم الذئاب.. مات الكثير من الأطفال في محاولات كهذه.. لم يستطيعوا تعلم العادات الإنسانية.. فلقد فات الأوان لذلك، وأصبحوا كالذئاب، ليس لديهم أي فكرة عن الفضيلة والأخلاق، عن الدين والتشريعات، هم غير مسيحيين، غير بوذيين، غير مسلمين.. لا يقلقون بشأن الله.. ولم يسمعوا به... وكل ما يعرفونه هو حياة الذئاب...

إن الشخصية هي مجرد جسر... فلنعبر هذا الجسر بدل أن نبني بيوتنا عليه.. لنخرج من هذه الأقنعة والألقاب والأسماء لنعود شهداءً على الحق.. وحالما تسقط كل تلك الأقنعة والأصبغة سنجد نفسنا الحقيقية الأصلية مختفية وراءها...
في المجتمعات المثالية يجب أن نمنح الأطفال شخصياتهم، وأن نعطيهم أيضاً المفتاح للتحرر منها، وهذا ما نفتقده حالياً..
لقد أصبح الأطفال في عصرنا الحالي معلّبين كالمعلبات، مقيّدين، مسجونين في شخصيات محددة من الأوامر والنواهي، من التحذير والترهيب والترغيب... فلم يبقَ أمامهم أي مجال للتحرر والتجرّد...
وهذا مشابه تماماً لما حصل للنساء في الصين... كانت الفتيات تُجبر على انتعال نعل من الفولاذ، وأين الملاذ... ذلك كلّه لأن الأقدام الصغيرة تثير الإعجاب بلا ألباب يا أصحاب الألقاب، مما يؤدي لضعف العظام وتوقف الأقدام عن النمو فلا تعود المرأة قادرة لا على السير ولا على القيام بأي شيء.. لأن الأقدام صغيرة جداً لا تستطيع حمل الجسم.. وهكذا تتعطل الأقدام وتصبح شبه مشلولة.. ووحدها العائلات الأرستقراطية كانت تستطيع شراء تلك الأحذية.. لذلك فإن الأقدام الصغيرة كانت رمزاً للأرستقراطية والعبودية..

نحن نضحك على ذلك الآن، ولكننا نواصل القيام بالأمر ذاته... حيث تسير النساء في الغرب وفي الشرق والآن عند العرب، بأحذية سخيفة مضحكة.. وبنِعال عالية كناطحات السحاب!! وهذا أمر مناسب للسيرك والعرض، لكن ليس للمشي والركض.. ومع ذلك فهو ينال الإعجاب والاستحسان..
لأنه عندما تسير المرأة بمثل هذا النعل العالي تصبح جذابة جنسياً.. ويصبح السير أصعب، فيجعل الرّدفين يتحركان ويهزّان.. لكن ذلك أمر مقبول ومرغوب والموديل والفيديو كليب هو المطلوب..

ترتدي النساء في كافة أنحاء العالم حمّالات الصدر كشيء عادي.. وهي تجعل المرأة تبدو مثيرة أكثر.. تعطي جسدها شكلاً لا تمتلكه حقيقةً.. النساء في المجتمعات المتحضرة تلحّ بإصرار على ضرورة ارتداء الحمالة.. معتقداتٍ بأنّهن شديدات التديّن والتُقيّ، لكنهن يخدعن أنفسهن ببراعة....

هناك مجتمعات بدائية لديها عادات غريبة عجيبة، حيث يتم تكبير الشفتين عن طريق تعليق أثقال تتدلّى منهما منذ الطفولة.. فتصبحان أكبر وأسمك وأكثر إثارة.. وطبعاً تستطيع الشفتان الكبيرتان المكتنزتان منح قبلة أفضل!!
اعتاد الرجل في بعض المجتمعات البدائية ارتداء ملابس ضيقة حول أعضائه التناسلية ليجعلها تبدو أكبر، وهذا أمر مشابه لارتداء المرأة حمالة الصدر.. نحن نسخر الآن من هؤلاء الحمقى، ولكنها القصة ذاتها... حيث يرتدي الصغار والكبار في كافة أنحاء العالم بنطالاً ضيقاً جداً، ولكن بما أن الأمر مقبول الآن، لم يعد أحد يعيره أي اهتمام...

علينا أن نرى الغلطة بدل أن نتغطى بها.. لنخرج من تلك الملابس التنكّرية والأقنعة الشمعية، ولنودّع قفص العادات والتقاليد إلى آفاق أرحب وأوسع...
من الضروري حتماً أن نمتلك شخصية، ولكن يجب ألا نصبح أسرى في قبضتها وبين مخالبها.. بل يجب أن نستطيع ارتداء هذا القناع ونزعه بسهولة كما نلبس ثيابنا ونخلعها.. والذكي هو الذي يحيا بروحه، ويظل الربان القائد لوجوده، الذي يعرف متى يرتدي قناع الشخصية ومتى ينزعه.. حسبما يتطلب المجتمع..
عندما تكون وسط المجتمعات والمجمعات والمنتجعات لا يمكنك أن تتعاطى معهم بروحك وإلا فإنك ستسبب المشاكل لنفسك وللآخرين.. لأن هذا الصدق الشديد، والصفاء الكبير يمكن أن يكون مؤلماً.. مزعجاً لهم جداً.. ولكن يجب أن يكون بمقدورك أن تتخلى عن كل تلك القشور في منزلك الخاص.. أن تنزع القناع وتمزّق خيوط العنكبوت.. وتلعب وتلهو مع صغارك وأحبابك.. وأن ترتشف الشاي صباحاً في الحديقة فوق العشب الأخضر.. مع النمل.. والعصافير والفراشات... ليس هنالك من داعٍ أن تذهب إلى مكتبك عارياً وتعرض نفسك لكل الناس!... سيكون هذا افتضاحاً وتطرّفاً آخراً...
التطرف الأول هو عدم استطاعة الناس التخلي عن ثيابها حتى في الفِراش.. أما التطرف الآخر فهو تجوّل بعض النساك عراةً في ساحة السوق، والرقص والعري على شاشاتنا... عفواً، فرشاتنا على الشاشة...
والأمر الغريب هو اعتراض هؤلاء النساك أنفسهم على ترك المرأة الغربية لذراعيها عاريين..!
إن الناس يحبّون التقليد لذلك نراهم يتجولون طوال اليوم ببدلاتهم وأحذيتهم وجواربهم في بلد حار مثل الهند وكثير من بلدان العرب... وهذه الملابس الغربية الغريبة.. البنطال الضيق، السترة الصوفية، ربطة العنق، القبعة.. ستظهر بها مهرجاً مضحكاً..
نحن نحتاج لأن نتحرر قليلاً من ملابسنا في البلدان الحارة.. لكن دون أن نتطرف في ذلك لدرجة نجري فيها عراة في ساحة السوق.. فليس من داعٍ أبداً أن نسبب المشاكل لأنفسنا وللآخرين.

لنعد إلى ذاتنا.. ولنكن طبيعيين..عفويين، كالطيور والزهور... ولكن عند اللزوم يمكننا الدخول في لعبة الشخصية.. فالشخصية وسيلة وليست غاية.. الشخصية أمر جيد عندما تتواصل مع الآخرين.. ولكن لكي تتواصل مع ذاتك ومع الرحمن.. عليك الخروج من هذا القناع والتحرر من هذا الوثاق والنفاق... لتعود إنساناً متناغماً مع موسيقى الأكوان..

رحلة إلى العلا (28)

حُـبّ النفْــس

إن الدنيا هي رحلة لمحبة الآخرين، أما التأمل فهو رحلة روحية داخلية يُغرم كل واحد فيها بذاته الخاصة.. هو بحث المرء عن ذاته، ومعنى وجوده.. ليعرف نفسه ويتصل بربه..
مُنتهى المعرفة أن يعرف المرء نفسه.. ومن عرف نفسه عرف ربه... نفسي ثم نفسي ثم نفسي ثم أخي... وعندها ستحب نفسك الحقيقة... وكل نفْس.. لأننا جميعاً عائلة واحدة.. ومن روح واحدة...
فإذا لم تُشعل شمعتك في البداية لن تستطيع أن تشعل شمعة الآخرين.. ولكن حب النفس غير حب الأنا، إنه حب الأنا الكونية وليس الأنانية.. هو موت الأنا وكل ويلاتها وشرورها.. والاستماتة في خالق الأكوان.. لتتحرر روحك وتحلّق في الجنان...
حبة الرمل لا تعرف الصحراء الواسعة، ولكن الصحراء تعرف حبة الرمل جيداً، وعلى حبة الرمل الصغيرة أن تجتهد وتجاهد لتعرف نفسها ودورها.. وعندها ستفنى في الصحراء..
الحب الأول هو حب المرء لنفسه، ومنه تتولد كل أنواع الحب الأخرى لترفرف راية المحبة الصافية في كل نفس.. وعندها ستحب قريبك كنفسك..
يمكن أن تختبر ذلك:
اجلس تحت إحدى الأشجار.. أحب نفسك واعشقها للمرة الأولى.. انسَ أمر العالم كله.. وعش حال الحب والهيام والغرام مع ذاتك فحسب.. وعندما تقع بحب نفسك، اشعر بتفرّدك وتميّزك.. وابتهج بوجودك.. الآن وفي هذا المكان...
إن هذه الحقيقة وهذه الصحوة ما هي إلا ومضات خاطفة من الجنة والجلوة... يمكنك أن تستمتع بها قليلاً.. دع ذلك كله يتغلغل في مساماتك ويجري في عروقك... تناغم مع هذه الموسيقى الداخلية، واذهب معها بعيداً.. ارقص.. اضحك.. أو غني إنْ أردت..
ولكن تذكر أن تبقى سيد نفسك، ومركز ذاتك، تاركاً ينبوع السعادة يتدفق من أعماقك ليغمر كل ما حولك...

رحلة إلى العلا (27)

نظـرة محبــة

المحبة شعلة مضيئة تطهّر القلب وتُنير طريقه... أنشودة الفرح، أنشودة الروح، لنسبح في فضائها اللامتناهي أينما نروح...
عندما تنظر إلى شخص ما، انظر إليه بعينين ممتلئتين حباً وحناناً، تفيضان وداً وعطاءً.. فالعين مرآة المؤمن...
دَع إشعاعات قلبك كلها تنبعث من خلال عينيك لتذوب في أعماق الآخر.. وعندما تمشي لتنهمر محبتك على كل ما حولك.. على الحقول والمروج.. على الأشجار والأزهار... على النجوم والأقمار.. ليتردد صداها في كل الوجود.. هذا هو العشق الأوحد المتوحد مع الواحد الأحد...
سيكون ذلك مجرّد تخيّل وتصوّر في البداية، لكنه سيغدو واقعاً حقيقياً خلال شهر واحد.. سيشعر الآخرون بأنك تمتلك الآن حضوراً أكثر دفئاً وحنان.. وبمجرد أن يكونوا بالقرب منك سيتولد داخلهم شعور عارم بالغبطة والسعادة والهناء دون أي سبب على الإطلاق… وعندما تُنتش بذرة المحبة وتتفتح زهرتها.. ستصبح مزاراً للعديد من الزوار...
لنحاول أن نكون أكثر وعياً في محبتنا... لنحرر أكبر قدر ممكن من إشعاعات المحبة الخالدة السامية.....
بين المحبة والله لا يوجد أي انقطاع أو انفصال بل وحدة واتحاد أبدي أزلي وهذا هو التوحيد في حبل الوريد...

رحلة إلى العلا (26)

صافِـح بوعـي

من هو الآخر؟

إنه مرآتك...انعكاسك...صداك.. إنه أنت ذاتك... لذلك عندما تمسك يد صديقك أمسكها بحب وحنوّ، بوعي وتيقّظ.. وراقب إن كانت يدك تبعث الدفء والحرارة أم لا... فإذا كانت باردة جامدة.. بلا نبض ولا حياة... لن يحدث أي تبادل للأمواج أو انتقال للذبذبات.. لن تتدفق الطاقة في يد صديقك... وسيكون هذا مجرد حركة سخيفة بلا جدوى ولا معنى... لذلك عندما تكون ممسكاً يد صديقك، تأمّل وتمعّن جيداً لتعرف إن كانت الطاقة تتدفق أم لا.. وحاول توجيهها إلى هناك.. تخيّل أن الطاقة تنتقل إلى يدك لتسري وتتدفق فيها حتى تغدو أكثر دفئاً، أكثر محبة وترحيب.. وستلاحظ حدوث تغير هائل، لن تعود يدك أنت.. بل ستصبح يد الأبدية، يد الوجود.. يد المدد والصمد..
سيكون ذلك مجرد تمرين على التخيّل في البداية، لكن الطاقة تتبع التخيل وتلحق به.. كالنحل الذي يلحق الأزهار.. ويمكنك تجربة ذلك: قم بقياس نبضات قلبك.. ثم تخيل أن النبض قد تسارع لعدة دقائق.. وأعد قياس النبض من جديد، ستجده أكثر سرعة من السابق.. فالتخيل يغير مجرى الطاقة كما تريد..

رحلة إلى العلا (25)

اثنان لكن بنفَس واحد

لننتبه إلى لحظات حبنا أكثر فأكثر، ولنراقب كيف يتغير تنفسنا..
يمكنك أن تعانق محبوبك.. وتختبر ذلك.. فمن خلال معانقتك للحبيب، واتحادكما، وذوبانكما وتلاشيكما معاً، ستتفاجأ وستكون واحدة من أكثر التجارب قدسية وروحية... حيث سيغدو التنفس رويداً رويداً تنفساً واحداً.. ستتنفّسان وكأنكما جسدان يخفق فيهما قلب واحد وروح واحدة.. وسيتم ذلك تلقائياً، دون حاجة لبذل أي مجهود.. لأن إحساسك بهذا الكم الهائل من الحب والودّ والحنان سيجعل التنفس ينساب معه ويتناغم مع إيقاعه.. وعندما تتنفسان معاً سيكون ذلك من أكثر اللحظات نقاءً وصفاءً وشفافيةً.. اتحاداً روحياً كونياً.. تنتقلان فيه إلى ما وراء الليل والنهار، ما وراء الزمان والمكان.. حتى ما وراء الأبدية...
ستتعرّفان في هذا الصمت على الومضات الأولى للتأمل... واللمحات الخاطفة للصحوة والجلوة.. عندها ستعجز اللغة عن صياغة الجمل والعبارات، وستلفظ أنفاسها الأخيرة.. لتشير بموتها الحقيقي في النهاية إلى ما لم تستطع قوله على مدى الأيام والسنوات...
فالصمت هو لغة اللغات، وموسيقى الأرواح في كل جسد وذات...

رحلة إلى العلا (24)

نفَـسُ المحبوب

النفَس هو الجسر الواصل بين الروح والجسد.. لذلك فلنحاول أن نجعل تنفسنا أكثر عمقاً وتمعّناً... أشد انتباها وإدراكاً.. لنراقب كيف يتغير تنفسنا مع تغير انفعالاتنا وعواطفنا، والعكس بالعكس: كيف تتغير مشاعرنا وأحاسيسنا مع تغير تنفسنا...
عندما ينتابك الخوف مثلاً.. لاحظ التغير الطارئ على تنفسك، وحاول مرةً ما أن تغيّر نمط تنفسك ليصبح مماثلاً تماماً لما كان عليه في حالة الخوف.. سوف تتفاجأ من ظهور الخوف في داخلك مباشرة...
انتبه لطريقة تنفسك عندما تكون في حال الحب والهيام بكل جوارحك مع حبيبك، ممسكاً يده، معانقاً إياه... ثم اجلس يوماً ما بصمت وسكون تحت إحدى الأشجار وراقب نفَسك من جديد وأنت تتنفس كما لو كنت تعيش الحالة ذاتها... بالطريقة ذاتها.. وكأنك تُعانق محبوبك بذلك الشوق والحنان.. سوف تندهش لأن الحياة والكون كله من أصغر ذرة وحتى أكبر مجرة سيغدو محبوبك ومطلوبك... سيشع في داخلك نور حب كبير لا يُدرك ولا يوصف.. تتلاشى فيه البدايات والنهايات.. وتزول فيه الاختلافات والخلافات.. فأنت ابن هذا الكون مثلما هي الأشجار والنجوم والطيور.. لتعيش بحب وسعادة ويصبح تنفسك منساباً مع إيقاع المحبة... وهكذا سيتغير مجرى حياتك كلها نحو أفق جديد وحالٍ سعيد...

رحلة إلى العلا (23)

معزوفة التنفّس والمحبة

ماذا سيحدث إذا حبستَ أنفاسك؟ ستموت لأنك لن تجد سوى الهواء الراكد الفاسد... الخالي من الحيوية والحياة...
كذلك الأمر مع المحبة... إذا لم تتجدد المحبة في كل لحظة، فإنها ستموت ولن تبقى للحظة...
إذا أصبحتَ عاجزاً عن التقدم في محبتك ستفقد حياتك كل معانيها.. ستصبح بلا طعم، بلا لون، بلا صوت، بلا حياة!! ستكون ميتاً بانتظار يوم الدفن وهذا ما يحدث مع الناس حالياً، فالفكر مسيطر جداً لدرجة أفسد معها حال القلب وسمّمه بالأوهام والأحلام، بالترّهات والثرثرات.. وجعله مهووساً بالتملّك... لكن القلب بطبيعته لا يعرف التملك ولا التمسّك.. لا يعرف سوى الثقة المطلقة والحرية اللامحدودة.. فالمحبة مكتفية بذاتها ولا تطلب أي شيء آخر...

تجاوز أسوار الفكر وخطوطه الحمراء.. الحقيقة باقية خالدة ساكنة في حنايا القلب والوجدان... لا تغلق على نفسك القيود والحدود، بل افتح قلبك واجعله حلقة وصل لا سكين قطع بينك وبين الوجود...
كن محباً لهذا الكون.. وابتهج بالحياة.. ودعْ محبتك تنساب مع التنفس.. مع الشهيق والزفير، مع دخول الهواء وخروجه... وستتمكن شيئاً فشيئاً من اكتشاف سحر وسر المحبة مع كل تنفس..
اجلس صامتاً، وتنفس، تنفس المحبة.... عندما تطرح الهواء خارجاً اشعر بأن محبتك كلها تنهمر كالمطر الغزير لتغمر الوجود بأرضه وسمائه.. بأشجاره وبشره وحيواناته.. وعندما تستنشق الهواء فإن الكون كله يغدق عليك محبته وكرمه وعطاءه...
تناغم مع هذه الرقصة الداخلية.. وسترى قريباً تغيراً في نوعية تنفسك ليصبح مختلفاً تماماً عما سبق.. لهذا يسمى التنفس في الهند "البرانا" أي الحياة، فهو ليس مجرد تنفس فحسب، ليس مجرد أكسجين.. هناك شيء آخر.. إنه جوهر الحياة وحقيقتها.. إنه نسيم الروح.. إنه الألوهية ذاتها.. إذا رحّبنا به ودعوناه سيأتي منساباً متناغماً مع نغمات كل نفَس...

Get Image Rollover Effects at crazyprofile.com